عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم ( أبي شامة المقدسي / أبي شامة الدمشقي )
73
المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز
وقال عبد الرحمن بن مهدي : كان لعثمان شيئان ليس لأبي بكر ولا عمر مثلهما : صبره نفسه حتى قتل مظلوما ، وجمعه الناس على المصحف . فقد اتضح بما ذكرناه معنى ما فعله كل واحد من الإمامين أبي بكر وعثمان رضي اللّه عنهما ، وتبين أن قصد كل واحد منهما غير قصد الآخر ، فأبو بكر قصد جمعه في مكان واحد ، ذخرا للإسلام يرجع إليه إن اصطلم ، والعياذ باللّه ، قراؤه ، وعثمان قصد أن يقتصر الناس على تلاوته على اللفظ الذي كتب بأمر النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، ولا يتعدوه إلى غيره من القراءات التي كانت مباحة لهم ، المنافية لخط المصحف من الزيادة والنقصان وإبدال الألفاظ على ما سيأتي شرحه . وذكر أبو عمرو الداني في كتابه « المقنع » عن هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر أول من جمع القرآن في المصاحف ، وعثمان الذي جمع المصاحف على مصحف واحد . وقد عبر الشيخ أبو القاسم الشاطبي « 1 » رحمه اللّه عما فعله الإمامان بأبيات من جملة قصيدته المسماة ب « العقيلة » في بيان رسم المصحف ، أخبرنا بها عنه شيخنا أبو الحسن وغيره فقال رحمه اللّه : واعلم بأن كتاب اللّه خص بما * تاه البرية عن إتيانه ظهرا أي متظاهرين ، ثم قال بعد أبيات : ولم يزل حفظه بين الصحابة في * علا حياة رسول اللّه مبتدرا أشار إلى كثرة حفّاظه في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، ثم قال : وكل عام على جبريل يعرضه * وقيل آخر عام عرضتين قرا لو قال : « لكن آخر عام » كان أولى ، لأن الجمع في خبر واحد صحيح . وقوله « وقيل » يوهم غير ذلك ، فإن كان قال : و « قبل » بالموحدة فهو أجود ، واللّه أعلم . ثم قال رحمه اللّه :
--> ( 1 ) الشاطبي : هو القاسم بن فيرة بن أبي القاسم خلف بن أحمد ، الحافظ أبو محمد ( وليس أبا القاسم كما ذكر المؤلف ) الرعيني الأندلسي ، المعروف بالشاطبي المالكي المقري النحوي ، ولد سنة 528 ه ، وتوفي بمصر سنة 590 ه ، من مصنفاته : « تتمة الحرز من قراء الأئمة الكنز » ، « حرز الأماني ووجه التهاني » القصيدة المشهورة بالشاطبية في القراءات ، « عقيلة أرباب القصائد في أسنى المقاصد » ، « ناظمة الزهر في عدد آيات السور » . ( كشف الظنون 5 / 828 ) .